أبي بكر جابر الجزائري
390
ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير
تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ : أي تخبرهم بما يضمرونه في نفوسهم . قُلِ اسْتَهْزِؤُا : الأمر هنا للتهديد . مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ : أي مخرجه من نفوسكم مظهره للناس أجمعين . نَخُوضُ وَنَلْعَبُ : أي نخوض في الحديث على عادتنا ونلعب لا نريد سبا ولا طعنا . تَسْتَهْزِؤُنَ : أي تسخرون وتحتقرون . معنى الآيات : ما زال السياق في الحديث عن المنافقين لكشف الستار عنهم وإظهارهم على حقيقتهم ليتوب منهم من تاب اللّه عليه قال تعالى مخبرا عنهم يَحْذَرُ « 1 » الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ « 2 » سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ أي يخشى المنافقون أن تنزل في شأنهم على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ أي تخبرهم بما في قلوبهم فتفضحهم ، ولذا سميت هذه السورة بالفاضحة « 3 » وقوله تعالى لرسوله قُلِ اسْتَهْزِؤُا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ يهددهم تعالى بأن اللّه مخرج ما يحذرون إخراجه وظهوره مما يقولونه في خلواتهم من الطعن في الإسلام وأهله . وقوله تعالى وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ أي عما قالوا من الباطل . لقالوا إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ « 4 » لا غير . قل لهم يا رسولنا أَ بِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ وذلك أن نفرا من المنافقين في غزوة تبوك قالوا في مجلس لهم : ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونا ولا أكذب ألسنا ، ولا أجبن عند اللقاء ! . فبلغ ذلك النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ونزلت هذه الآيات : وجاءوا يعتذرون لرسوله اللّه فأنزل اللّه لا تَعْتَذِرُوا « 5 » قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ أي الذي كنتم تدعونه ، لأن الاستهزاء بالله والرسول والكتاب كفر مخرج من الملة ، وقوله تعالى إِنْ
--> ( 1 ) يروى أن أحد المنافقين قال : واللّه وددت لو أني قدّمت فجلدت مائة ولا ينزل فينا شيء يفضحنا فنزلت الآية : يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ . . وهي خبر وإن قال بعضهم هي إنشاء بمعنى : ليحذر المنافقون . ( 2 ) معلوم أن القرآن ينزل على الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وقوله : عَلَيْهِمْ بمعنى المؤمنين لأنهم والرسول في جانب والمنافقون في آخر ، فصحّ أن يقال : تنزل على المؤمنين ، والرسول معهم ، وهو المختص بالوحي . ( 3 ) وسميت أيضا : المثيرة ، والمبعثرة والحفارة لأنها أثارت كامن المنافقين وبعثرته وحفرت ما في قلوبهم وأخرجته . ( 4 ) ذكر الطبري أنّ قائل هذه المقالة : وديعة بن ثابت قال ابن عمر : رأيته معلقا بحقب ناقة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يماشيها والحجارة تنكبه وهو يقول : إنّما كنّا نخوض ونلعب والرسول صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : أبا للّه وآياته ورسوله كنتم تستهزئون . ( 5 ) لا تَعْتَذِرُوا نهاهم عن الاعتذار لأنه غير نافع لهم ولا مجد واعتذر بمعنى : اعذر أي صار ذا عذر ، والاعتذار محو أثر الموجدة أو هو القطع ، أي : قطع ما في القلب من الموجدة ، ومنه قيل : عدرة الغلام : وهو ما يقطع منه عند الختان .